العناوين الرئيسية

تطرق الحديث إلى “المشهد الثقافي” , قبل قرابة العامين من الآن حينما كنت جالساً على مقهى بالمنصورة, مع طالب من طلابي, كان يعرض علي رواية من تأليفه, طالباً بعض الملاحظات والإرشادات. وفي أثناء الحوار تطرق الحديث إلى “الشأن الثقافي” العام, فقلت له شاكيا, كيف أن الدلتا خاوية تماما, وأن “المشهد الثقافي” في الدلتا بئيس, وكيف أنه لا يمكن مقارنتها بالقاهرة, والتي يوجد بها الكثير والكثير من الكيانات الثقافية, والتي تقدم العديد المتنوع من الأنشطة, والتي غالباً ما سيجد “طالب الثقافة” في بعضها بغيته! كما أخبرته عن المقولة التي كانت تقال لي, عندما كنت أشارك في بعض الأنشطة في المرحلة الجامعية أو بعدها, عندما أخبر محدثي أني من المنصورة, فيقال لي: “آهاه, من الفلاحين”!

والحق أن المقولة كانت تستفزني, ولكن بعدما أخذت أتفكر في هذه المقولة وجدت أنها صادقة بدرجة كبيرة, فنحن وإن أقلعنا نعم عن “الزرع والقلع”, واستبدلنا القميص والبنطال بالجلباب, وظهرت لدينا العديد من المحال التجارية العصرية, إلا أننا لا نزال حقاً من ناحية الفكر والوعي في مرحلة “الفلاحة” أو بالمصطلح الدارج, في مرحلة: البداوة! فالدلتا فعلاً خاوية على عروشها ثقافيا وفكرياً! وحتى لا أُرمى بالتجني.

عن المشهد الثقافي في الدلتا

الأنشطة الثقافية في الدلتا

سأعرض سريعاً للأنشطة “الثقافية” الموجودة والمقدمة في الدلتا:
هناك في كل عاصمة محافظة “قصر ثقافة”, يقوم بتقديم وتنظيم العديد من الأنشطة الثقافية, ولكن الملاحظ أن هذه الأنشطة تخلو من “الحيوية”, ويخيم عليها طابع “العتق”, وربما: الثقل! ولهذا لا تجد جاذبية عند النسبة الأكبر من الشباب, وبالتأكيد نعني المثقفين منها! ناهيك عن أنها تعاني من الروتين الحكومي, فبعض الأنشطة مثلاً تُقدم في أوقات يكون فيها الشباب غالباً في الدراسة أو العمل, ومن ثم فلا تجد من يحضرها! ونغض الطرف عن “الشللية” و”المعارفية” في الأسماء المستضافة في الأحداث الثقافية المقدمة!!

وبالتوازي مع قصور الثقافة, فهناك ما يُعرف ب “الصالونات الثقافية”, وهي لقاءات تنعقد بشكل شبه دوري, في “منازل” بعض الأدباء والشعراء, وهي وإن كانت مفتوحة للجميع, فإنها غالباً ما تكون ملتقى للشعراء والأدباء يلقون الشعر ويتسامرون عن الأدب, وكذلك هناك “نوادي الكتب”, وهي لقاءات لبعض المهتمين بالقراءة, بحيث يتناقشون حول كتاب –أو رواية- معين تم الاتفاق على قراءته/ا.


وبالإضافة لقصور الثقافة فهناك ما يُعرف ب:
“coworking spaces مساحات العمل المشترك “
والمشتهرة عرفا باسم: “السناتر”, والتي تقوم بتقديم وتنظيم بعض الأنشطة الفنية, مثل دورات الرسم أو الموسيقى أو الغناء .. الخ, كما قد يقام فيها بعض الأمسيات واللقاءات الشعرية! ولكن يعيب هذه المراكز أمران خطيران
أولهما:
إن “النشاط الثقافي” فيها نشاط عارض, فهي ليست “مراكز ثقافية”, ومن ثم فعلى “طالب الثقافة”, أن يكون متابعاً لكل هذه المراكز ليعرف, هل هناك نشاط ما في هذه الفترة أم لا وأين يوجد .. الخ!
ثانيهما:

إن هذه المراكز تقوم غالباً بتقديم أنشطة فنية وليست أنشطة “ثقافية” (وهو ما يعيب قصور الثقافة كذلك), نعم, الفن مكونٌ رئيسٌ من مكونات الثقافة, وكذلك هو المكون الرئيس للوجدان الإنساني, إلا أن الثقافة تعني بالمقام الأول: فكرٌ ووعيٌ, وهو ما لا نجده في الأنشطة المقدمة فيها!

وبالإضافة لهذا فهناك بعض الأنشطة الثقافية التي تقوم الجامعة بتنفيذها, إلا أنه يعيبها أنها في المقام الأول: “عملية أو تعليمية”, مما قد يفيد طلاب كلية كذا, وبالتأكيد لن يكون مفيداً لطلاب باقي الكليات, وحتى لو كان النشاط الثقافي عاماً فإن المشكلة الكبرى الذي يعاني منها هي:
عدم “الديمومة” و “الشتات”!

إن عملية “التثقيف” لا تكون ببعض الأنشطة المتقطعة هنا وهناك, وإنما يجب أن يكون عملية متتابعة مستمرة, تسير بخطى ثابتة في طريق واضح المعالم. ولمعرفة اشمل عن معنى الثقافة والفرق بين الثقافة والتعلم من هنا

أركادا بيت اللغة والثقافة


الشاهد أنه بسبب هذا الشتات والخواء كان التفكير في إنشاء –أول- “مركز ثقافي” في المنصورة, مركز ثقافي بمعنى الكلمة .. يسعى لنشر الثقافة والفكر .. يتلافى تلك العيوب المذكورة ويجد فيه طالب الثقافة متنفسا وملتقى .. بحيث لا يحتاج إلى طويل بحث هنا وهناك ليصل إلى مبتغاه .. وكانت الفكرة .. فكانت: أركادا بيت اللغة والثقافة بالمنصورة!

والحق يقال أني لم أكن أعلم في بداية المطاف كيف ينبغي أن تكون هي الملامح المحددة لهذا الكيان الوليد, فهناك العديد والعديد من الأشكال المحتملة! ولكن من خلال العديد من الأنشطة –سواء تلك التي تم تنفيذها أو التي خططنا لتنفيذها- وصلنا إلى تصور نهائي لمعالم وملامح مركزنا الثقافي: أركادا, هي كالتالي:


1- تقديم أنشطة ثقافية متنوعة بشكل دائم! فهناك أنشطة ثقافية الفكرية بلغة مبسطة سلسلة بعيداً عن التعقيدات, فهناك مثلاً الندوات العلمية الشهرية, وهناك “الدورات المعرفية المصغرة”, والتي تقدم تعريفا مبسطاً بعلم من العلوم –لغير المختصين بداهةً- وهناك “الورش” المتنوعة, مثل ورش الكتابة (كيف تكتب رواية .. الخ) وهناك الورش الفنية مثل ورش الرسم والخط .. الخ, وهناك النقاشات والحوارات, وهناك نوادي اللغات وهناك المسابقات الثقافية .. الخ.

2- الأنشطة الثقافية والفنية المقدمة هي شبه مجانية, فليست الغاية من إنشاء المركز الربح, بقدر ما هو نشر الثقافة والفكر! وبهذا يستطيع “طالب الثقافة” أن يحصل مثلاً على دورات فنية مثل الرسم بثلث (وأحياناً: سدس) المبلغ الذي يدفعه في أماكن أخرى.

3- نشر ثقافة تعلم اللغات, وخاصة تلك المهملة والمظلومة, -وعلى رأسها العربية- التي يُظن خطأً أنها لا فائدة “عملية منها”, من خلال تقديم دورات مجانية لتعليم تلك اللغات, كما نعمل على رفع جودة تعلم اللغة بشكل عام, من خلال تقديمها بشكل جديد وجذاب!! ونربط تعليمنا اللغات بالتعرف على الثقافات الأخرى, فنعمل على التعريف بأصحاب تلك اللغات وثقافاتهم وفكرهم.


4- لا تقتصر الأنشطة على الشباب, وإنما نعنى في أركادا كذلك بالأسرة والطفل والمرأة, ولهذا نقوم بتقديم ندوات توعوية وتربوية للأمهات وكذلك العديد من الأنشطة المخصصة للأطفال من أجل إكسابهم مهارات مفيدة, في مراحل عمرية مبكرة, كذلك نشجع ونساند كل الأنشطة المساندة لقضية المرأة, والتي تعاني من هضم وتضييع للحقوق.

5- نُعنى كثيرا في أركادا ب “الفلسفة”, ونرى أنها تمثل مكوناً رئيسا لأي مركز ثقافي, يريد أن يحمل شعلة تنوير في المجتمع الذي يوجد فيه, ولكننا نقدمها بشكل بسيط وجذاب وتفاعلي حواري.

6- نرحب بكل من يرغب في التطوع معنا بتقديم نشاط ثقافي أو فني, من أجل الرقي بالوجدان وزيادة حالة الوعي ونشر الفكر.

هذه هي الملامح الرئيسة لأول مركز ثقافي في الدلتا والذي نأمل أن يكون شعلة تنوير .. وتغيير!

شارك على مواقع التواصل
Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on pinterest
Share on print
Share on email
مقالات شبيهة